جلال الدين السيوطي
353
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
آمنا من عذابك قبل الموت وعند الموت وبعد الموت ، وسهّل عليّ سكرات الموت ، وخفّض عني نزول الموت ، ولا تضيّق عليّ سبب الأسقام والآلام ، فإنّك أرحم الراحمين . وأمّا الكتب العلميّة ، فصنّفتها واستكثرت من إيراد السؤالات على المتقدمين فيها ، فمن نظر في شيء منها فإن طابت له تلك السؤالات ، فليذكرني في صالح دعائه على سبيل التفضيل والإنعام ، وإلا فليحذر القول السيء ، فإني ما أردت إلا تكثير البحث ، وتشحيذ الخاطر ، والاعتماد في الكلّ على الله تعالى . وأما المهمّ الثاني وهو صلاح أمر أطفالي وعوراتي فاعتمادي فيهما على الله تعالى ، ثم على نائب الله محمد ، اللهمّ اجعله قرين محمد الأكبر في الدين والعلوّ إلا أنّ السلطان الأعظم لا يمكنه أن يشتغل بإصلاح ممات الأطفال ، فرأيت أن أفوّض وصاية أولادي إلى فلان وأمرته بتقوى الله ، فإنّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، ثم أوصيته أن يبالغ في تربية ولدي أبي بكر ، فإنّ آثار الدراية والذكاء ظاهرة عليه بعمل لله يوصله إلى خير ، وأمرته وأمرت كلّ تلامذتي ، وكلّ من لي عليه حقّ ، فقلت لهم : إني إذا متّ فبالغوا إخواني في إخفاء موتي ، ولا تخبروا به أحدا ، وكفنوني وادفنوني على شرط الشريعة المطهّرة ، واحملوني إلى الجبل المصاقب لقرية مرداخان ، وادفنوني هناك ، وإذا وضعتموني في اللحد فاقرءوا عليّ ما تقدرون عليه من آيات القرآن العظيم ، ثم ردّوا عليّ التراب بالمساحي ، وبعد إتمام ذلك قولوا مبتهلين إلى الله مستقبلين القبلة على هيئة المساكين المحتاجين : يا كريم يا كريم يا كريم ، يا عالما بحال هذا الفقير المحتاج ، أحسن إليه ، واعطف عليه ، فأنت أكرم الأكرمين ، وأنت أرحم الراحمين ، وأنت الفعّال به وبغيره ما تشاء ، فافعل به ما أنت أهله ، فأنت أهل التقوى ، وأهل المغفرة . نقلت من خطّ ابن مكتوم في تذكرته ، قال : ذكر ياقوت الحمويّ « 1 » أنّ هراة موضعان أحدهما المدينة العظيمة المشهورة بخراسان ، لم يكن لها نظير ، خرّبها التتار ،
--> ( 1 ) انظر : معجم البلدان : مادة ( هراة ) .